فخر الدين الرازي
152
تفسير الرازي
والحدود وغيرهما ؛ لأن قوله : * ( فان تنازعتم في شيء ) * عام في كل واقعة لا نص فيها . الفرع الرابع : دلت الآية على أن من أثبت الحكم في صورة بالقياس فلا بد وأن يقيسه على صورة ثبت الحكم فيها بالنص ، ولا يجوز أن يقيسه على صورة ثبت الحكم فيها بالقياس لأن قوله : * ( فردوه إلى الله والرسول ) * ظاهره مشعر بأنه يجب رده إلى الحكم الذي ثبت بنص الله ونص رسوله . الفرع الخامس : دلت الآية على أن القياس على الأصل الذي ثبت حكمه بالقرآن ، والقياس على الأصل الذي ثبت حكمه بالسنة إذا تعارضا كان القياس على القرآن مقدما على القياس على الخبر لأنه تعالى قدم الكتاب على السنة في قوله : * ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) * وفي قوله : * ( فردوه إلى الله والرسول ) * وكذلك في خبر معاذ . الفرع السادس : دلت الآية على أنه إذا تعارض قياسان أحدهما تأيد بايماء في كتاب الله والآخر تأيد بايماء خبر من أخبار رسول الله ، فان الأول مقدم على الثاني ، يعني كما ذكرناه في الفرع الخامس ، فهذه المسائل الأصولية استنبطناها من هذه الآية في أقل من ساعتين ، ولعل الانسان إذا استعمل الفكر على الاستقصاء أمكنه استنباط أكثر مسائل أصول الفقه من هذه الآية . المسألة الثالثة عشرة : قوله : * ( وأولي الأمر ) * معناه ذوو الأمر وأولو جمع ، وواحده ذو على غير القياس ، كالنساء والإبل والخيل ، كلها أسماء للجمع ولا واحد له في اللفظ . المسألة الرابعة عشرة : قوله : * ( فان تنازعتم ) * قال الزجاج : اختلفتم وقال كل فريق : القول قولي واشتقاق المنازعة من النزع الذي هو الجذب ، والمنازعة عبارة عن مجاذبة كل واحد من الخصمين لحجة مصححة لقوله ، أو محاولة جذب قوله ونزعه إياه عما يفسده . ثم قال تعالى : * ( إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : هذا الوعيد يحتمل أن يكون عائدا إلى قوله : * ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) * وإلى قوله : * ( فردوه إلى الله والرسول ) * والله أعلم . المسألة الثانية : ظاهر قوله : * ( إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) * يقتضي أن من لم يطع الله والرسول لا يكون مؤمنا ، وهذا يقتضي أن يخرج المذنب عن الايمان لكنه محمول على التهديد ، . ثم قال تعالى : * ( ذلك خير وأحسن تأويلا ) * أي ذلك الذي أمرتكم به في هذه الآية خير لكم وأحسن عاقبة لكم لأن التأويل عبارة عما إليه مآل الشيء ومرجعه وعاقبته .